محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

238

شرح حكمة الاشراق

بالإشارة ، فيكون جسما ، إذ المفهوم من الجسم عندنا ما ذكرنا . وهو مسلّم في الخلأ ، فيكون حجما . فإن لم يسمّه إنسان جسما ، فلا مشاحّة معه ، إذ النّزاع إنّما يكون في المعنى ، لا في اللّفظ . وعلى هذا إن كان نزاع لا يكون في الخلأ ، بل إمّا في وجوب تناهى الأبعاد ، من حيث أثبتوا وراء العالم امتدادا غير متناه ، أو امتناع تداخل الأجسام ، لتجويزهم تداخل بعدى الخلأ والجسم الّذى فيه ، أو لزوم الهيولى لكلّ ذي أبعاد ثلاثة قائميّة ، أي الجسم مطلقا ، أو بعض الأجسام ، وهو الخلأ بتفسيرهم . فيثبت هيولاه ، كما تثبت في الكواكب والأفلاك ، وقبل الإثبات علم جسميّته بمجرد أنّه جوهر قابل للأبعاد مقصود بالإشارة ، كالخلأ بهذا التّفسير . فيكون النّزاع في أنّه هل يجوز خلوّ بعض الإجسام عن المادّة أم لا ، لا في الخلأ . بقي النّزاع مع من يقول : إنّه لا شئ ، ويجوّز خلوّه عن الجسم . فلمّا انحصر النّزاع في البعد المفطور وكان لزوم كون ذلك البعد جسما على مذهب الأقدمين واضحا ، إذ كلّ ذي أبعاد قائميّة قائم لا في مادّة جسم طبيعىّ عندهم دون مذهب المحدثين ، إذ ليس كلّ ذي كذا جسم طبيعىّ عندهم ، قال : وإذا علمت أنّ الجسم ليس فيه ما يزيد على المقدار ، من الهيولى والصّورة ، على ما هو رأى المشّائين ؛ بل هو نفس المقدار ذي الأبعاد القائميّة على ما هو رأى الأقدمين ، فلا يمكن أن يكون ما بين الإجسام خاليا ، أي : بعدا مفطورا ، سواء اعتقد أنّه عدم أو امتداد ، كما قيل : للزوم كونه جسما . أمّا على الأوّل ، فلقوله : إذ العدم الّذى يفرض ما بين الإجسام له مقدار في جميع الأقطار ، فإنّ ما يتّسع لجسم يفضل على ما هو أصغر من ذلك ، فله طول وعرض وعمق ، وهو مقصود بالإشارة ، فيكون جسما ، لا عدما ، كما ظنّ . وأمّا على الثّانى ، فواضح ، لأنّ جوهريّة ذلك الامتداد معلوم من قيامه بنفسه ، وباقي قيود الجسم مأخوذ في تعريف الخلأ . وإذا وجد ضابط الجسم في الامتداد المذكور كان جسما ، لا غير ، كما توهّم .